جلس الخليفة المنصور في إحدى قباب مدينته يتأمل أحوال الناس ويراقب المارة بعين الحاكم الفطن، فإذا به يرى رجلاً يخطو في الطرقات مهموماً مطأطأ الرأس، تكسو وجهه علامات الحزن العميق، وكأنه يحمل همّ الدنيا على كتفيه. فأمر المنصور أحد غلمانه أن يأتيه به، فمضى الغلام وعاد بالرجل بين يدي الخليفة.
نظر إليه المنصور وقال بصوت هادئ:
تنهد الرجل وقال:
ــ يا أمير المؤمنين، خرجت في تجارة بمالي فبارك الله لي وربحت، وعدت بما أفادني الله، فلما بلغت منزلي دفعت المال إلى أهلي، غير أن امرأتي زعمت أن المال قد سرق من بينها ولم تر له أثراً. وها أنا ذا عدت صفر اليدين، حاملاً غماً لا يزول.
تأمل المنصور في الرجل قليلاً ثم سأله بدقة:
ــ منذ كم تزوجتها؟
قال الرجل:
ــ منذ سنة واحدة فقط.
قال المنصور:
ــ أكانت بكراً حين تزوجتها؟
قال:
ــ لا يا أمير المؤمنين.
قال المنصور:
ــ وهل لها ولد من رجل غيرك؟
قال:
ــ لا، ليس لها ولد.
قال المنصور وهو يضيّق عينيه في تفكير عميق:
ــ أهي شابة حديثة السن أم أنها مسنة كبيرة؟
قال الرجل:
ــ بل حديثة يا أمير المؤمنين.
ابتسم المنصور ابتسامة خفيفة ثم أمر بإحضار قارورة من الطيب كان قد خص نفسه بها، طيب غريب الرائحة حاد النفاذ لا يكاد يُشبهه طيب آخر. فلما جاءته القارورة دفعها إلى الرجل وقال:
ــ خذ هذه القارورة وتطيب من هذا الطيب، فإن فيه ما يذهب همّك ويشرح صدرك.
أخذ الرجل القارورة شاكراً، ثم انصرف من مجلس الخليفة.
وبينما كان يخرج من الباب، التفت المنصور إلى أربعة من رجاله الأشداء وقال لهم بصوت خفيض:
ــ ليقعد كل واحد منكم على باب من أبواب المدينة، فإذا مر بكم رجل فوجدتم عليه رائحة هذا الطيب المميز، فأمسكوه وائتوني به عاجلاً.
مضى الرجال كل إلى بابه، ومضى الرجل إلى منزله. فلما رأته امرأته بالقارورة في يده سألته في لهفة:
ــ ما هذه القارورة؟
قال بفخر:
ــ هذه هدية أمير المؤمنين، قد وهبها لي.
فأخذت القارورة منه وتأملت الرائحة النفاذة، فخطر ببالها من كانت تحبه في السر، ذاك الذي كانت قد دفعت إليه المال. فأرسلت إليه رسولاً تدعوه، فلما حضر قالت له في ابتسامة مكر:
ــ تطيب من هذا الطيب، فإن أمير المؤمنين قد وهبه لزوجي.
مد الرجل يده وتطيب، ثم خرج يمشي في طرقات المدينة. حتى إذا مر بأحد الأبواب، أشمّ الحارس المكلّف رائحة الطيب الغريب، فأمسكه وأخذه إلى أمير المؤمنين.
وقف الرجل بين يدي المنصور، فحدجه الخليفة بعينيه وقال:
ــ من أين لك هذا الطيب؟ فإن رائحته عجيبة غريبة.
ارتبك الرجل وقال مضطرباً:
ــ اشتريته يا أمير المؤمنين.
قال المنصور وهو يرمقه بنظرة حادة:
ــ أخبرنا ممن اشتريته؟
تلجلج الرجل وتلعثم وخلط كلامه ولم يحسن الجواب. عندها أمر المنصور بإحضار صاحب شرطته، وقال له:
ــ خذ هذا الرجل عندك، فإن أحضر كذا وكذا من الدنانير فأطلق سراحه حيث شاء، وإن امتنع فاضربه ألف سوط بغير مشاورة.
فلما خرج الرجل من مجلس الخليفة مع صاحب الشرطة، قال المنصور خفية للشرطي:
ــ هَوِّل عليه، وأره الشدة، ولا تقدم على ضربه حتى تؤامرني.
أُخذ الرجل وجُرّد وسُجن، فلما رأى العزم وشمَّ ريح العقاب أذعن صاغراً، فرد الدنانير بعينها كما أخذها.
فأُعلم المنصور بالأمر، فدعا الرجل الأول صاحب الدنانير وقال له:
ــ أرأيتَ إن رددتُ عليك دنانيرك كما هي، أتحكمني في أمرك مع امرأتك؟
قال الرجل:
ــ نعم يا أمير المؤمنين.
قال المنصور:
ــ فهذه دنانيرك بعينها، وقد طلّقتُ المرأة عليك، وهذا خبرها وما صنعت.
---
إرسال تعليق