الجواب عن السؤال الأول: بعد تمهيده، وهو أن نقول في حين أن العلماء أجمعوا على أن البسملة هي جزء من آية في سورة النمل، إلا أنهم اختلفوا في كونها آية مستقلة في أول كل سورة، أو من كل سورة كُتبت في أولها، أو أنها بعض آية من كل سورة، أو أنها كذلك في الفاتحة دون غيرها، أو أنها إنما كتبت للفصل لا أنها آية.. وذلك كله مبسوط في كثير من الكتب، وهي أقوال ليس من سبيلنا هنا أن نعني ببحثها، ولا أن نقوم بعرض استدلالاتها. وحسبنا في ذلك أن الذي يترجّح عندنا أنها لم تكن آية من القرآن إلا في بسملة الفاتحة، وأنها لم تكن عنوانًا لسورة التوبة، وأنها شكّلت جزءًا من آية في سورة النمل(1). وقد يكون في هذا البحث ما يفيد الجزم في هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
فنقول: إن ترتيب سورة التوبة في القرآن هو الـ(9) وهي تعدّ (129) آية، في حين أن سورة النمل ترتيبها في القرآن (27) وهي تعدّ (93) آية كريمة. وبالنظر في مكوّنات هذه الأعداد، نلاحظ أولاً ثمّة علاقة عكسية بين السورتين: لأننا عندما نقوم بجمع رقم سورة النمل مع عدد آياتها نحصل على (27 + 93 = 120)، في حين أننا نحصل على نفس النتيجة عندما ننقص رقم سورة التوبة من عدد آياتها (129 – 9 = 120)، وذلك مع العلم أن جمع رقم سورة التوبة مع عدد آياتها يعطينا (9 + 129 = 138). وأنت لو نظرت في المكوّنات العددية للسورتين (9 ، 129 ، 27 ، 93)، وتأمّلت الأعداد الرابطة بينهما (120 ، 138)، لرأيت فيها دقائق من نظم عجيب، يوافق بعضه بعضًا، ويناسب كل موضع منه كل موضع آخر، وكأنه قطعة واحدة في التركيب. فأمعن النظر في مواقع السورتين، تجد أولاً أن سورة النمل (27)، بعُدت بمقدار (19) سورة عن سورة التوبة (9)، ثم تجد ثانيًا، أن البُعد بين العددين الناتجين عن جمع أرقام السورتين مع آياتهما، أي (120) و(138)، يساوي أيضًا (19) عددًا، ومن ثم تلاحظ ثالثًا، أن البسملة التي تشكّل قاسمًا مشتركًا بين السورتين، والتي هي معقل بحثنا هنا، قد تكوّنت هي الأخرى من (19) حرفًا بالضبط(2):
بسم الله الرحمن الرحيم
| |||||||||
بـ
|
سـ
|
مـ
|
ا
|
لـ
|
لـ
|
هـ
|
ا
|
لـ
|
ر
|
1
|
2
|
3
|
4
|
5
|
6
|
7
|
8
|
9
|
10
|
حـ
|
مـ
|
نـ
|
ا
|
لـ
|
ر
|
حـ
|
يـ
|
مـ
| |
11
|
12
|
13
|
14
|
15
|
16
|
17
|
18
|
19
|
وأنت تتبيّن حقيقة هذا النظم العددي، إذا قمت بصياغة متوالية حسابية للأعداد من (9) إلى (27)، ومن (120) إلى (138)، فإنك تحصل في الحالة الأولى على:
(9 + 10 + 11 + ... + 27 = 342)،
وفي الحالة الثانية على:
(120 + 121 + 122 + ... + 138 = 2451).
وهنا يكمن أول تداخل عددي بين السورتين، متمثّلاً بملاحظتين: الأولى: أن جمع العددين الناتجين، يعطيك: (342 + 2451 = 2793)! فإذا تأمّلت تركيب هذا العدد، ثم أنعمت النظر في تأمّله، فاعجب حين تجد أنه قد حوى العددين (27) و(93)، اللذين ليسا إلا رقم سورة النمل في القرآن من جهة، وعدد آيات السورة من جهة أخرى!
وأما الملاحظة الثانية، فتكمن في العلاقة العكسية التي ذكرناها بين السورتين، حيث حصلنا فيما سبق على العدد المشترك (120)، عندما جمعنا رقم سورة النمل مع عدد آياتها مرة، وأنقصنا رقم سورة التوبة من عدد آياتها مرة أخرى. فإذا عكست العددين، تحصل في الحالة الأولى على: (342 ==< 243)، وفي الحالة الثانية على: (2451 ==< 1542). وإذا أنقصت العددين الناتجين من بعضهما البعض، تحصل على: (1542 – 243 = 1299)! وإن تعجب من جديد فاعجب من تركيبة العدد الناتج هنا أيضًا، حين تجد أنه قد حوى العددين (9) و(129)، اللذين يشكّلان رقم ترتيب سورة التوبة في القرآن من جهة، وعدد آيات السورة من جهة أخرى! فهذه الملاحظات الأولية تشير دون أدنى شكّ إلى وجوه من المناسبات بين هاتين السورتين الكريمتين، وتظهر اتّساقًا واضحًا بموقعهما وبعدّة آيات كل واحدة منهما.
وما هذه الأعداد المقترنة بمواقع السور ومواضع الآيات، إلا صور تامّة للأبعاد التي تنتهي بك إلى إدراك أوجه جديدة من المناسبات والعلاقات التي تربط أجزاء النظم القرآني بعضها ببعض، بحيث أنك لو غيّرت موضع سورة منه، أو نزعت آية واحدة منه، بل لو قمت بإزالة حرف واحد منه، لتعطّل هذا النظم وفسد، كما سنبيّنه في موضع آخر. وهو سرّ من إعجاز هذا الكتاب العظيم، الذي تكفّل الله تعالى بحفظه، في قوله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾(3).
ولو ذهبنا ندقّق من جديد في مواقع هاتين السورتين، لما أصبنا غير هذه الحقيقة التي لا تظهر في شيء من تأليف الكتب ظهورها في القرآن الكريم. فبعد أن عرفت أن البُعد بين هاتين السورتين يساوي (19) سورة، يتبيّن لك أن السورة التي توسّطتهما هي سورة الكهف، التي ترتيبها في القرآن هو (18):
09 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27
واستنادًا إلى هذه المعطيات، تلاحظ أننا نتعامل هنا مع سور أرقام ترتيبها في القرآن عبارة عن مضاعفات للعدد (9): (9، 18، 27). فهل نجد لهذا العدد دلالة في هذا السياق؟ إذا رجعت إلى القرآن الكريم، ستجد أن العدد (9) لم يرد في إطار الهيكل الخارجي للقرآن إلا كرقم لسورة التوبة، وكعدد لآيات سورة الهمزة (104)، أو كرقم آية في (95) سورة زاد فيها عدد الآيات عن (9).
في حين أنه جاء في النصّ القرآني الكريم (4) مرات، وذلك في قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً﴾(4)، وقوله تعالى في سورة الكهف: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾(5)، وقوله تعالى في سورة النمل: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ ءاياتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾(6)، وما جاء في قوله تعالى في سورة النمل أيضًا: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾(7).
وقد سبق أن تعرّضنا في الباب الثاني من الكتاب إلى الآيات التسع التي آتاها الله نبيّه موسى عليه السلام. وسنخوض في قضية العدد (9) الذي ورد في سورة الكهف قريبًا إن شاء الله. أما بالنسبة للعدد (9) في الآيتين الأخيرتين من سورة النمل، فيلفت انتباهنا أن هاتين الآيتين قد أحاطتا بالبسملة، التي شكّلت جزءًا من الآية (30)، إحاطة مطلقة.
فأنت لو تأمّلت مكوّنات هاتين الآيتين، وقمت بربطهما مع آية البسملة التي جاءت كجزء من آية في السورة نفسها، سترى كيف أن التناسق القرآني قد انتظم على الشكل الذي ينبغي، وكأن نظم هذا الكتاب العظيم ينبغي أن يُفهم على هذا النمط المعجز. إذ نجد أن كل واحدة من هاتين الآيتين قد بعُدت بمقدار (19) آية عن الآية (30)، التي جاءت فيها البسملة "الداخلية"، وأن الآية الأولى منهما قد تكوّنت بنفسها من (19) كلمة.
وبذلك فقد عدنا من جديد إلى العدد (19)! فلا بدّ إذن أن يكون لهذا الإحكام المطلق والتناسق العددي البديع في هذه المعطيات دلالة ما! ولكن ما هي علاقة العدد (9) في هذا الإبداع؟ الإجابة عن هذا السؤال تتعلّق إلى حدّ ما بالمسألة الثانية التي طرحناه من قبل في مقدمة هذا الباب، والخاصّة بلفظي الجلالة ((الرحمن الرحيم)).
(1) إن كون البسملة آية من سورة الفاتحة أمر يقيني ويدلّ عليه العديد من الأحاديث الصحيحة. منها ما جاء في سنن الدارقنطي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إِذا قَرَأْتم: [الحَمْدَ لله ربّ العالمين] فاقْرَأوا {بِسْمِ اللهِ الرَحْمَـنِ الرَحِيْمِ} إِنَّها أُمُّ القُرآن، وأُمُّ الكِتاب، والسَبْعُ المثاني، و{بِسْمِ اللهِ الرَحْمَـنِ الرَحِيْمِ} إحْدى آياتها. قال حدّثنا يحيى بن محمد ابن صاعد، ومحمد بن مخلّد، قالا: ثنا جعفر بن مكرم، ثنا أبو بكر الحنفي، ثنا عبد الحميد بن جعفر: أخبرني نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبُري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: قال أبو بكر الحنفي: ثم لقيت نوحاً، فحدّثني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، بمثله، ولم يرفعه (1/312/ح36). نقله القرطبي في تفسيره (1/93) دليلاً للشافعي على قوله، ثم قال: رفع هذا الحديث عبد الحميد بن جعفر، ثم ذكر جماعة وثقوه، قال: وكان سفيان الثوري يضعفه. ونقله السيوطي في الدر المنثور (1/3) وقال: أخرج الدارقطني وصحّحه، والبيهقي في (السنن) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال،.. الحديث. وفي الإتقان قال: أخرج الدارقطني بسند صحيح عن أبي هريرة.. الحديث (1/270). وفي كنز العمال عن الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم.. الحديث (4/95/ح1984). ونقله ابن بهران في جواهر الأخبار (2/246) عن (التلخيص) وقال: عزاه إلى الدارقطني. ونقل أيضاً: عن (الشفاء) عن أَبي هريرة، بلفظ «إذا قرأت الحمد لله ربّ العالمين، اقرأ «بِسْمِ اللهِ الرَحْمَـنِ الرَحِيْمِ»..» نحوه. وفي نيل الأوطار للشوكاني: عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.. الحديث (2/93). قال اليعمريّ: جميع رواته ثقاتٌ، وقال الحافظ: إسناد هذا الحديث رجاله ثقات. وفي التفسير الكبير للفخر الرازي عن الثعلبي: بإسناده عن أبي هريرة بلفظ: «إذا قرأتم أم القرآن فلا تدَعوا {بِسْمِ اللهِ الرَحْمَـنِ الرَحِيْمِ} فإنّها إحدى آياتها» (1/196)..
(2) سيأتي الكلام عن العدد (19) بشكل موسّع لاحقاً إن شاء الله تعالى.
(3) سورة الحِجر: 15/9.
(4) سورة الإسراء: 17/101.
(5) سورة الكهف: 18/25.
(6) سورة النمل: 27/12.
(7) سورة النمل: 27/48.